ابن حمدون
165
التذكرة الحمدونية
لذهّاب في التيه ، روّاغ عن القصد . ألا ترى غير مخبر لك ، لكن بنعمة اللَّه أحدّث : أن قوما استشهدوا في سبيل اللَّه من المهاجرين ، ولكلّ فضل ، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيّد الشهداء ، وخصّه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم بسبعين تكبيرة حين صلَّى [ 1 ] عليه ؟ أو لا [ 2 ] ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل اللَّه ، ولكلّ فضل ، حتى إذا فعل بواحد منّا كما فعل بواحدهم قيل : الطيّار في الجنة وذو الجناحين ؟ ولولا ما نهى اللَّه عزّ وجلّ عن تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجّها آذان السامعين . فدع عنك من مالت به الرّيبة [ 3 ] فإنّا صنائع ربّنا ، والناس بعد صنائع لنا ، لم يمنعنا قديم عزّنا وعاديّ طولنا على قومنا [ 4 ] أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا ، فعل الأكفاء ، ولستم هناك ، وأنّى يكون ذلك كذلك ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب ، ومنّا أسد اللَّه ومنكم أسد الأحلاف ، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب ، في كثير مما لنا وعليكم ؟ فإسلامنا ما قد سمع ، وجاهليتنا لا تدفع ، وكتاب اللَّه يجمع لنا ما شذّ عنا ، وقوله سبحانه : * ( وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ الله ) * * ( الأنفال : 75 ) وقوله تعالى : * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه وهذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا والله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) * ( آل عمران : 68 ) . فنحن مرّة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطاعة . ولما احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فلجوا عليهم ، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم ، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم . وزعمت أني لكلّ الخلفاء حسدت وعلى كلَّهم بغيت : فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك ، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها .